فخر الدين الرازي

48

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

أما قوله تعالى : لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا فاعلم أن الضمير في قوله لا يَقْدِرُونَ إلى / ما ذا يرجع ؟ فيه قولان أحدهما : أنه عائد إلى معلوم غير مذكور ، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي كان على ذلك الصفوان ، لأنه زال ذلك التراب وذلك ما كان فيه ، فلم يبق لأحد قدرة على الانتفاع بذلك البذر ، وهذا يقوي الوجه الثاني في التشبيه الذي ذكره القفال رحمه اللّه تعالى ، وكذا المان والمؤذي والمنافق لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة والثاني : أنه عائد إلى قوله كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ وخرج على هذا المعنى ، لأن قوله كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ إنما أشير به إلى الجنس ، والجنس في حكم العام ، قال القفال رحمه اللّه : وفيه وجه ثالث ، وهو أن يكون ذلك مردوداً على قوله لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم ، فرجع عن الخطاب إلى الغائب ، كقوله تعالى : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] . ثم قال : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ومعناه على قولهم : سلب الإيمان ، وعلى قول المعتزلة : إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء اختيارهم . في قوله تعالى وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ إلى قوله وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ثم قال تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . اعلم أن اللّه تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون ماناً ومؤذياً ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك ، وهو هذه الآية ، وبيّن تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق أمران أحدهما : طلب مرضاة اللّه تعالى ، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت ، وسواء قولك : بغيت وابتغيت . والغرض الثاني : هو تثبيت النفس ، وفيه وجوه أحدها : أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها ، ومن جملة ذلك ترك اتباعها بالمن والأذى ، وهذا قول القاضي وثانيها : وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه ، ويعضده قراءة مجاهد وتثبيتا من بعض أنفسهم وثالثها : أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية ، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة ، ومعشوقها أمران : الحياة العاجلة والمال ، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه ، وإذا كلفت يبذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت ، فلهذا دخل فيه ( من ) التي هي التبعيض ، والمعنى أن من بذل ماله لوجه اللّه فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها ، وهو المراد من قوله وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [ الصف : 11 ] وهذا الوجه ذكره صاحب « الكشاف » ، وهو كلام حسن وتفسير لطيف ورابعها : وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع : أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر اللّه على ما قال : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] فمن أنفق ماله في سبيل اللّه لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي ، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض / العبودية ، ولهذا السبب حكي عن علي رضي اللّه عنه أنه قال في إنفاقه إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [ الإنسان : 9 ] ووصف إنفاق أبي بكر فقال : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ، إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ ، الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى [ الليل : 19 ، 20 ، 21 ] فإذا كان إنفاق العبد لأجل ، عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض . فهناك اطمأن قلبه ، واستقرت نفسه ، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه ، ولهذا قال أولًا في هذا الانفاق إنه لطلب مرضات اللّه ، ثم